وكالة مهر للأنباء، وردة سعد: مع إعلان أنصار الله والقوات المسلحة اليمنية اعتماد معادلة «الحصار بالحصار»، دخلت المواجهة مرحلة جديدة، لم تعد فيها العمليات العسكرية اليمنية محصورة في نطاق الدفاع، بل باتت – وفق الرؤية اليمنية – وسيلة لفرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة تهدف إلى انتزاع حقوق الشعب اليمني ورفع الحصار عنه.
وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي شديد الحساسية، يتزامن مع المواجهة الإيرانية–الأميركية، وتصاعد الحديث عن «وحدة الساحات» وتكامل أدوار قوى محور المقاومة. وفي المقابل، حاولت السعودية، عبر تحركاتها الإقليمية وتحالفاتها مع تركيا وباكستان، إعادة ترتيب المشهد وتعويض ما أصابها من خسائر ميدانية وسياسية.
حول خلفيات قرار اليمن الانتقال إلى معادلة «الحصار بالحصار»، وطبيعة ارتباط المعركة اليمنية بالمشهد الإقليمي، وتأثير الضربات اليمنية في العمق السعودي، وانعكاسات القمة السعودية–التركية–الباكستانية، كان لنا هذا الحوار مع العميد حميد عبد القادر عنتر، مستشار رئاسة الوزراء. حوارا وردة سعد
سيادة العميد ما هي الظروف اليمنية الداخلية التي أفرجت عن التوقيت الذي أطلق من خلاله قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي معركة إسقاط الحصار الجائر عن الشعب اليمني؟
قائد الثورة جاء بخطاب سياسي يقوم على انتزاع حقوق الشعب اليمني بالقوة، بعد أن وصل اليمن إلى مرحلة من المجاعة والانهيار الاقتصادي، وأصبحت ظروف الناس صعبة جداً بسبب الحصار السعودي–الأميركي المفروض على اليمن.
وبناءً على ذلك، قرر قائد الثورة أن ينتزع حقوق الشعب اليمني بالقوة، ويفرض معادلة عسكرية جديدة تقوم على «الحصار بالحصار».
وقد صادق مجلس النواب على خطاب قائد الثورة، كما خرج الشعب اليمني بالملايين وفوّض القيادة لانتزاع حقوق الشعب اليمني بالقوة وفرض معادلة عسكرية تقوم على الحصار بالحصار.
ومن هنا فرض اليمن حصاراً مطبقاً في البحر الأحمر على النظام السعودي، باعتبار ذلك حقاً مشروعاً في مواجهة الحصار المفروض على الشعب اليمني.
هل يمكن فصل التوقيت اليمني لمعركة كسر الحصار السعودي الظالم عن الظرف الاستراتيجي المرتبط بالمواجهة الأميركية وتوازناتها؟ وإلى أي درجة أحسن اليمن استثمار هذا التوقيت من خلال الدمج بين معركته ومعركة محور المقاومة الذي هو جزء منه؟
اليمن منسق مع دول محور المقاومة، وهناك وحدة للساحات، واليمن هو جزء من دول محور المقاومة.
لكن اليمن فرض أساساً الحصار على النظام السعودي، وفرض معادلة جديدة هي «الحصار بالحصار»، بهدف دفع النظام السعودي إلى الرضوخ للمطالب اليمنية، ومنها فك الحصار عن مطار صنعاء الدولي، وفتح الموانئ، وفتح صندوق إعادة الإعمار وجبر الضرر، وكذلك دفع المرتبات من عائدات النفط والغاز الذي تم نهبه من قبل السعودية وتوريده إلى البنك الأهلي السعودي، ومنه كانت تُصرف مرتبات بالدولار للمرتزقة.
وبالتالي، فإن اليمن قرر أن ينتزع حقوق الشعب اليمني بالقوة، وفي الوقت نفسه فإن هذه المعركة مرتبطة بوحدة الساحات في مواجهة قوى الاستكبار العالمي.
واليمن، باعتباره جزءاً من محور المقاومة، يتحرك ضمن هذا السياق، مع الحفاظ على أن الهدف الأساسي هو انتزاع حقوق الشعب اليمني ورفع الحصار عنه.
إلى أي مدى تعاني السعودية من الحصار المحكم المفروض على موانئها، ومن الضربات الاستباقية التي تستهدف عملاءها في المحافظات المحتلة؟ وما هو التقدير الذي جعل هذه المزاوجة مركبة ومؤذية للعدو السعودي؟
اليمن صعّد عملياته العسكرية من خلال استهداف التحشيدات التي حشد لها العدو من التكفيريين والمرتزقة والعملاء، كما استهدف المعسكرات ومخازن السلاح، ونجح في تحقيق أهدافه بدقة، وألحق بالعدو خسائر فادحة بالأرواح والعتاد.
كذلك استهدف اليمن أهدافاً حيوية واستراتيجية في العمق السعودي، ومنها المنطقة الصناعية في جازان وشركة أرامكو.
وبالتالي، حقق اليمن انتصارات كبيرة، سواء في العمق السعودي أو على مستوى المعسكرات والتحشيدات التي كان يجهز لها الجانب السعودي لغزو صنعاء، وقد تم إفشال هذه التحشيدات من خلال القوة الصاروخية والطيران المسيّر.
إلى أي مدى أتت قمة جدة الأخيرة بين الثالوث التركي والباكستاني والسعودي كتعويض معنوي للسعودي؟ وما مدى التأثير الذي عكسته عملياً على أرض الواقع وموازينه؟
النظام السعودي عندما تحالف ووقّع اتفاق دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً.
فالدخول التركي والباكستاني لن يؤدي إلى تحقيق أهداف عسكرية حقيقية؛ لأن أياً من تركيا أو باكستان لا تستطيع الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة لحماية السعودية أو مواجهة اليمن، لأنهما تدركان عبثية الحرب واستنزافها.
ومن الممكن أن يدخل الطرفان التركي والباكستاني في وساطة لإقناع النظام السعودي برفع يده عن اليمن ورفع الوصاية عنه، وبالتالي رفع الحصار.
وكان يفترض أن تذهب الأموال التي ستُدفع لباكستان وتركيا إلى اليمن لفتح صندوق إعادة الإعمار، بدلاً من استمرار السعودية في المستنقع الذي ورطتها فيه الإدارة الأميركية وواشنطن، من دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة.
السعودية تدرك جيداً أن المواجهة جرت بين اليمن وواشنطن والكيان الصهيوني، وأن الولايات المتحدة شكّلت حلفين دوليين، أحدهما في عهد جو بايدن والآخر في عهد ترامب، وجاءت حاملات الطائرات والبوارج والمدمرات والفرقاطات بهدف كسر الحصار عن الكيان الصهيوني، لكنها عجزت عن تحقيق ذلك.
وقد استطاع اليمن استهداف حاملات الطائرات والبوارج الأميركية، وخرج الجانب الأميركي مكسوراً ومهزوماً، واستطاع اليمن أن يكسر شوكة قوى الاستكبار العالمي.
واليمن يمتلك قوة ردع وقضية ومشروعاً، وقادراً على ضرب أي عاصمة تحاول الاعتداء عليه، كما يمتلك صواريخ فرط صوتية وانشطارية وطائرات مسيّرة، ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات السعودية لا تستطيع اكتشاف هذه الأسلحة الاستراتيجية.
لذلك إن السعودية أمام خيار رفع يدها عن اليمن ورفع الوصاية عنه، وإلا فإن المعركة ستُنقل إلى العمق السعودي، مع استهداف عصب الاقتصاد والأهداف الحيوية والاستراتيجية في عمق المملكة.
إن الصراع هو صراع بين معسكرين، حق وباطل، وصراع وجود من أجل البقاء، وإن اليمن سينتصر والعدو السعودي سينكسر، واليمن سيغير وجه المنطقة والعالم.
أخيراً
يكشف هذا الحوار عن رؤية يمنية تعتبر أن معركة كسر الحصار لم تعد ملفاً إنسانياً أو سياسياً منفصلاً، بل تحولت إلى مواجهة ذات أبعاد عسكرية وإقليمية تتداخل فيها حسابات اليمن والسعودية وقوى محور المقاومة والقوى الدولية.
وبينما يضع الجانب اليمني معادلة «الحصار بالحصار» في إطار انتزاع الحقوق ورفع الحصار، تبدو التطورات الميدانية جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتغير فيه موازين الردع وتتداخل فيه الساحات.
وفي ضوء التصعيد المتواصل، يبقى السؤال الأبرز حول مستقبل هذه المعادلة: هل تقود الضغوط العسكرية إلى تسوية سياسية ورفع الحصار، أم أن المنطقة تتجه إلى جولة جديدة من التصعيد وتوسيع نطاق المواجهة؟
/انتهى/
تعليقك